حسن الأمين

51

مستدركات أعيان الشيعة

ولم يكن الشاه إسماعيل لينسى العلاقة القديمة بين الأمير تيمور [ پورپان ] گوركان ومشايخ الصفوية ، فرحب بالعلاقة الجديدة وقبل الاعتذار ، وأصبح منذ ذلك الحين يخاطب السلطان حسين بايقرا الذي بلغ آنذاك من الكبر عتيا بالأب ، واستمرت العلاقات الودية بين الطرفين حتى نهاية الدولة التيمورية . وفي عام 911 هتوفي السلطان حسين بايقرا وخلفه على العرش في هرات ابناه بديع الزمان ميرزا ومظفر حسين ميرزا مشتركين في حكم البلاد ، ولكن أبناء الملك الآخرين رفضوا الانصياع لأوامر أخويهم ، مشترطين في ذلك انفراد أكبرهم بديع الزمان ميرزا بالحكم ، لأنهم لم يكونوا يرون في مظفر حسين ميرزا فضلا عليهم . وقد أحدث هذا الشقاق اضطرابا في الأوضاع الداخلية للبلاد ، وأطمع أعداء خراسان في الخارج بالاستيلاء عليها ومنهم محمد خان الأوزبكي المسمى ب ( شاهي بك خان ) و ( شيبك خان ) أو ( شيباني خان ) ، فما كاد يسمع هذا بوفاة السلطان حسين وحدوث الاختلاف بين أبنائه حتى بادر إلى حشد قواته وأسرع بها إلى خراسان فبلغها قبل أن يستعد الأمراء التيموريون لمواجهته ، ووقفوا لمقاومته في قوة صغيرة فهزمهم محمد خان الأوزبكي ودخل مدينة هرات دون كثير عناء ، وكان ذلك في عام 913 ه‍ . وباشر محمد خان ( شيبك خان ) فور فراغه من احتلال عاصمة خراسان بإرسال القوات إلى جهات خراسان الأربعة ، فاستولى على الأراضي الممتدة حتى حدود دامغان وسمنان ومن جانب آخر حتى ولاية قندهار وسيستان وأطلق لقواته العنان في الاعتداء على الأعراض والنهب والسلب ، ولم يتوان عن ارتكاب المجازر وسلب الأموال وإيذاء الناس في أكثر مدن خراسان ونواحيها . وقد قضى شيبك خان على الأمراء التيموريين الواحد تلو الآخر وتزوج بنسائهم حسب الشرع وبدونه ولم ينج منهم إلا من أفلح في الافلات من قبضته واللجوء إلى بلاط الشاه إسماعيل . وبعد أن أحكم شيبك خان قبضته على مملكة التيموريين بما فيها خراسان ورأى نفسه دون منافس في حدود تركستان وأن بلاده قد امتدت إلى مساحات شاسعة بدءا من حدود منغوليا وحتى حدود العراق ، أخذ يفكر بالتوسع غربا ، فبعث برسالة وقحة إلى الشاه إسماعيل زعم فيها أنه ينوي حج بيت الله الحرام ولذا يتوجب على الملك الصفوي أن يعبد الطرق له ويخزن المؤمن والذخيرة والعلف لقواته في الخانات الممتدة على طول الطريق . ورد الشاه إسماعيل عليه بأسلوب مؤدب يظهر مدى الدبلوماسية التي كان ينتهجها في حياته السياسية حيث كتب إليه ما يلي : « إن أسلوبكم لا يليق بشأن الملوك ، وإذا كنتم عازمين على حج بيت الله فنحن عازمون على زيارة حضرة سلطان السلاطين علي بن موسى الرضا ( ع ) وسنلتقي بكم أينما أحببتم » . وكان الشاه إسماعيل يدرك حقد محمد خان ملك الأوزبك وأطماعه التوسعية ، فلم يتوان عن إرسال [ السفزاء ] السفراء البارعين في الخطابة وتلافى الأمور واغتنام الفرص ، ومن بينهم الشيخ محيي الدين أحمد المعروف بشيخ زاده اللاهيجاني وهو من كبار المشايخ ويحظى باحترام القاصي والداني ومن بينهم أيضا العالم المشهور القاضي ضياء الدين نور الله حيث حمله رسالة إلى مرو طلب فيها من ملك الأوزبك كف عماله عن ارتكاب المظالم بحق الناس ، وطالبه بالغرامة لما ارتكبه بعض أقوام الأوزبك في غارتهم على حدود كرمان وقتلهم للمزارعين فيها ونهبهم لأموال الناس في هذه النواحي . ويذكر صاحب ( حبيب السير ) أنه في الوقت الذي كان شيخ زاده اللاهيجاني لا يزال في بلاط الأوزبك بعث شيبك خان أحد سادات خراسان وهو الأمير كمال الدين حسين الأبيوردي إلى بلاط الشاه إسماعيل برسالة مفعمة بأساليب التهديد . ولم يكن محمد خان الأوزبكي يغفل عن تحريض أمراء الدولة الصفوية في الولايات المجاورة لأرض العراق ودفعهم إلى الخروج عن طاعة الشاه إسماعيل ، ومن هؤلاء حاكم مازندران آقا رستم الذي غرته وعود شيبك خان وأثرت به تحريضاته ، فكان أن أجاب رسل البلاط الصفوي القادمين إليه لجباية الضرائب السنوية والخراج قائلا : « ما دمت أحتمي بالملك محمد خان الشيباني فلن أخشى الشاه إسماعيل ولن أهابه » . ولم يطق الشاه إسماعيل غرور شيبك خان وأطماعه التوسعية ، فعزم على تحقيق حلمه في توحيد جميع الولايات الإيرانية تحت سلطته ومن ثم أمر في السلطانية في شهر رجب عام 916 هباستدعاء جميع القوات العسكرية من عراق العرب وعراق العجم وفارس وكرمان وكردستان ولرستان وأران وآذربايجان فقدم إليه أمراء وحكام هذه الولايات بعدد كبير منها . وانتظمت القوات وقادتها وأمراؤها في السلطانية في عرض مهيب وتشكلت من القادة لجنة ، اجتمع بها الشاه وخطب شارحا تطور العلاقات الإيرانية - الأوزبكية معرضا بذكر التهديدات والإهانات التي وجهها ملك الأوزبك لشخصه ودولته ثم استشارهم في السير لفتح خراسان التي تعد النصف الأيمن من إيران ، فأشار عليه الحاضرون بالإجماع بالسير للفتح دون تردد أو تلكؤ ، وبعد استماعه لآرائهم وإجماعهم على ما عزم عليه ، أمر بإقامة الاحتفالات ونصب موائد الطعام . ثم وزع على الحاضرين أنواع الهدايا والحلل والخلع وأهداهم جيادا وإبلا من الإصطبل الملكي ، وفي صبيحة اليوم التالي نفخت الأبواق معلنة البدء في التحرك فانتظمت صفوف قوات القزلباش في صفوف وأفواج متناسقة ثم تحركت تحت إمرة قادتها الأبطال .